تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
171
نظرية المعرفة
ومن هنا يتبين أنّه ما من معرفة طبيعية تجريبية إلّا وفي جنبها معرفة عقلية قطعية لولاها لكانت التجربة عقيمة غير مفيدة . وممّن تنبّه إلى ما ذكرنا الشيخ الرئيس : فقد أجاب في سؤال من سأله عن علّة إيراث التجربة اليقين ، بأنّ التجربة ليست بمعنى أنّ تكرار المشاهدات يفيد اليقين ، وإنّما المشاهدات ( العملية ) تفيد اليقين بضميمة قياس عقلي « 1 » . وكذلك الحكيم السبزواري ، قال : العلم في التجربة منوط بأمرين : أحدهما المشاهدة ، والآخر القياس الخفي ، وهو أنّه لو كان اتّفاقيّاً ، لما كان دائماً ولا أكثرياً ، ثمّ يستثني نقيض التالي لنقيض المقدَّم . « 2 » وللأسف ، إنّ التجربة بهذا المعنى قد نسيت في الجامعات العلمية ، فترى أنّهم يفسرونها بعملية تعميم وبسط ما تدركه الحواس الظاهرية والباطنية . وقد تطرق هذا الخطأ إليهم بسبب تبعيتهم للغربيين حيث يستعملون المشاهدة والتجربة مترادفين ، مع أنّ المشاهدة غير التجربة ، فإنّ كلّاً منهما أصلٌ من أُصول اليقينيات الست ، كما تقدّم . نعم ، إنّما تفيد المشاهدةُ اليقينَ ، في موردها ، ولا تكون مبدأً لانتزاع حكم كلّي ، بخلاف التجربة فإنّها تكون مبدأً لقاعدة كليّة بحكم القياس العقلي . فإذا أردنا تفسير الاستقراء ، فلنفسّره بالمشاهدة ، وأمّا التجربة ، فتفسيرها بالمشاهدة ، تفسيرٌ ناقص ، وإنّما هي عمليات كثيرة مختلفة ، في أجواء متنوعة ، يشهدها الحسّ الظاهري أو الباطني ، ثمّ يعمّم نتيجتها في ضوء حكم العقل . نقل وتحليل قد عرفت أنّ تعميم حكم التجربة في مورد ، إلى جميع أفراد الطبيعة ومصاديقها الّتي لم تجر فيها التجربة ، إنّما هو بحكم العقل القائل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد . وبعبارة أُخرى : يحصل للمجرّب ، بعد تكرر
--> ( 1 ) . منطق الشفاء : 96 ، ط مصر . ( 2 ) . شرح المنظومة ، لناظمها : 90 .